الغزالي
122
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
حكاية : يقال إنه أراد رجل فاسق أن يكابر امرأة عفيفة بالحرام فقال لها : امضي وأغلقي أبواب الدار جميعها وأحكمي إغلاقها ! فمضت المرأة ثم عادت فقالت : قد أغلقت سائر الأبواب وأوثقت إغلاقها سوى باب واحد ؛ فقال : أي الأبواب ذلك الباب ؟ فقالت : تلك الأبواب التي بيننا وبين الخلق قد أغلقتها ، وقد بقي الباب الذي بيني وبين الخالق جلّت عظمته ما قدرت عليه ولا استطعت أن أغلقه وهو بحاله مفتوح . فوقع في نفس هذا الرجل من هذا الكلام الهيبة فأخلص للّه التوبة وأقلع عن ذنبه وعاد إلى طاعة ربّه الأعلى . حكاية مثلها : يقال إنه كان رجل علوي بسمرقند في بعض الأيام قائما على باب داره ، فاجتازت عليه امرأة ذات حسن وجمال وكان الدرب خاليا ، فقبض العلوي على زند المرأة وجذبها إلى داخل الدار وهمّ أن يفسد معها ، فقال له المرأة : أسألك مسألة أجبني عنها وافعل ما بدا لك ! فقال : اذكري ما تريدين ! فقالت : إذا أنت وطئتني حراما وحبلت منك وولدت ولدا هل يكون ذلك الولد علويّا أو خبيثا عاميّا ؟ فقال : إنه يكون علويّا ؛ فقالت المرأة : لا شك أنك أنت من خبيثي العلويين ، ولو لم تكن خبيثا لم تفعل مثل هذا . فخجل العلوي في الحال ورفع يده عنها ونذر على نفسه للّه نذرا أنه لا يعود ينظر إلى امرأة محرّمة عليه نظرة فساد . وينبغي أن يكون الرجل صاحب حمية وغيرة على حرمه وناسه ، فإن الحمية من الدين إلى حدّ أنه لا يجوز للرجل الأجنبي أن يسمع دقّ المرأة الأجنبية بالهاون ، وإذا دقّ رجل أجنبي باب الدار فلا يحلّ للمرأة أن تجيبه بلين وسهولة ؛ لأن قلوب الرجال تتعلّق بأقلّ الأشياء وأكثرها ؛ وإن كان لا بد للمرأة أن تجيبه فلتضع إصبعها في فمها ولتجبه ليصير صوتها شبيها بصوت العجائز . ولا يجوز للنساء أن ينظرن إلى الرجال الأجانب ولو كان المنظور أعمى . وجاء في الخبر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل إلى بيت عائشة رضي اللّه عنها فرأى عبد اللّه بن أم مكتوم قاعدا مع النساء فقال : « يا عائشة لا يحلّ للمرأة أن تقعد عند غير ذي محرم » ، فقالت : يا رسول اللّه إنه أعمى ، فقال : « إن كان لا يراك فإنك ترينه » « 1 » .
--> ( 1 ) في موارد الظمآن [ جزء 1 - صفحة 351 ] باب ما جاء في الحجاب رقم 1457 ونصه : عن ابن شهاب أن نبهان حدثه أن أم سلمة حدثته أنها كانت ثم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وميمونة قالت : فبينا نحن عنده أقبل ابن أم كتوم فدخل عليه وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب قالت : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « احتجبا منه » فقالتا : يا رسول اللّه أليس هو أعمى فما يبصرنا ولا يعرفنا ؟ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألستم تبصرانه » .